وقفة مع حرمة المسجد
عبدالرزاق بن محمد النهيان
الخطبة الأولى:
أيها الناس: استمعوا لهذا الموقف العظيم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانظروا لردة الفعل عند الصحابة رضي الله عنهم: روى عبد الرزاق في مصنفه، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى فِي نَعْلَيْهِ، ثُمَّ خَلَعَهُمَا فَوَضَعَهُمَا عَلَى يَسَارِهِ * فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟، فَقَالُوا: رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ، فَخَلَعْنَا نِعَالَنَا، قَالَ: "إِنَّمَا خَلَعْتُهُمَا أَن جِبْرِيلَ جَاءَنِي، فَقَالَ لِي: إِنَّ فِيهِمَا خَبَثًا، فَإِذَا جِئْتُمْ أَبْوَابَ الْمَسْجِدِ أَوِ الْمَسَاجِدِ فَتَعَاهَدُوهَا، فَإِنْ كَانَ بِهَا خَبَثٌ فَحُكُّوهَا، ثُمَّ ادْخُلُوا فَصَلُّوا فِي نِعَالِكُم".
لقد علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم تعظيم بيوت الله بأدقِّ التفاصيل، حتى فيما قد يغفل عنه كثيرٌ من الناس.
«تعاهدوا نعالكم عند أبواب المساجد» توجيهٌ نبويٌّ عظيم… يجعل المسلم يقف على باب المسجد وقفةَ محاسبةٍ لنفسه: ماذا أحمل معي إلى بيت الله؟ وهل في قدمي أو متاعي ما قد يؤذي إخواني أو يُنقص من حرمة هذا المكان؟ فإذا كان هذا في النعل، فكيف بما هو أعظم من ذلك من الأذى والتقصير؟
ومن هنا كان حديثنا اليوم عن تعظيم بيوت الله، وصيانتها عن الأذى، وحفظ حقوق المصلين فيها، قال تعالى:﴿في بيوتٍ أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه﴾، وقال سبحانه: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾.
عباد الله: إن المساجد أحبُّ البقاع إلى الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب البلاد إلى الله مساجدها).
ومن أحبَّ شيئًا عظَّمه، ومن عظَّم بيوت الله صانها عن كل ما يُؤذي أو يُنقص من هيبتها.
ومن تعظيمها: المحافظة على نظافتها، والعناية بها وبمرافقها، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تُنظف وتُطيب، فعن عائشة رضي الله عنها : (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تُنظف وتُطيب)
ومن تعظيمها كذلك: مراعاة حقوق المصلين، فلا يُؤذى أحدٌ في موضعه، ولا يُضيَّق عليه، ولا يُتقدَّم عليه بغير حق.
ومن ذلك: حجزُ الأماكن في الصفوف الأولى أو غيرها، للنفس أو للغير، وهو تعدٍّ على حق من سبق، وقد قال صلى الله عليه وسلم:(لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) فاتقوا الله، واتركوا التقدم لمن بادر، فإن السبق إلى الخير شرف.
ومن تعظيم بيوت الله: ألا تُجعل مداخلها ومخارجها مواضع للأذى، بوضع الأحذية في الطرقات، أو إغلاق الممرات، فإن في ذلك ضررًا ظاهرًا، لا سيما على كبار السن وذوي الحاجة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إماطة الأذى عن الطريق صدقة)، فكيف إذا كان الطريق إلى بيت الله؟!
ومن هنا: ينبغي على المسلم أن يتفقد نعله، وأن ينتبه لما قد يعلق به، وأن يحرص على ألا يُدخل أذى إلى بيت الله، وكذلك من كان معه ما يعتمد عليه، كعصا أو نحوها، فليتنبه لها في سيره وجلوسه، حتى لا يُؤذي بها أحدًا، أو يُلحق ضررًا بفرش المسجد، فديننا دين عناية، ودين ذوق، ودين إحسان. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم…
الخطبة الثانية:
اعلموا أيها المسلمون: أن من تمام تعظيم بيوت الله:
حسن التعاون مع من يقوم على خدمتها وتنظيم شؤونها، فإن الإمام والمؤذن مؤتمنان، ومسؤولان عن هذا المكان، وعن تطبيق ما يُحقق مصلحة المصلين وسلامتهم.
وما يصدر من تنظيم أو توجيه، فالمقصود به المصلحة العامة، لا التضييق على أحد، ولا الانتقاص من أحد، وإنما هو أداء للأمانة التي حُمِّلناها.
والشريعة جاءت برفع الضرر، وتحقيق المصالح العامة، فلا يُقدَّم اجتهاد فردي على مصلحة جماعة، ولا يُفتح باب يترتب عليه أذى أو حرج.
واحذروا – عباد الله – من أذية الناس خارج المسجد، بإيقاف المركبات في غير مواضعها، أو التضييق على الطرقات، فإن ذلك من الأذى المحرم، ولا يليق بمن قصد بيت الله.
عباد الله: إن تعظيم المساجد يظهر في سلوكنا، في نظافتنا، في رفقنا، في التزامنا، في حرصنا على راحة إخواننا.
وصلوا وسلموا على نبيكم…