الأوطان بين شكر النعمة وحفظ الكلمة - خطب مختارة

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2026-03-05 - 1447/09/16
التصنيفات:

اقتباس

ولقد أنعم الله -عز وجل- على بلادنا بكلتا النعمتين؛ نعمة الأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار، ونعمة الرزق الوفير الرغيد... منة من الكريم -عز وجل- ومحض تفضل منه -سبحانه-، وما طلب منا إلا شكرها: قولًا بألسنتنا وامتنانًا له -تعالى- بقلوبنا، واستعمالًا للنعم في الطاعة بجوارحنا...

هو مَثَلٌ ضربه القرآن الكريم لقرية من القرى كانت غارقة في نعم الله -تعالى- وأفضاله، لكنها بدَّلت نعمة الله كفرًا، فكانت العاقبة أن زالت عنها النعم وحلت عليها النقم! يقول الله -عز وجل-: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)[النحل: 112]؛ فـ"جعلها مثلًا لكل قوم أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النعمة فكفروا، فأنزل الله بهم نقمته"(تفسير البيضاوي).

 

فلقد أنعم الله -تعالى- على تلك القرية بنعمتين؛ نعمة الأمن والطمأنينة، ونعمة الرزق الطيب الرغيد، فبدلًا من أن تصون نعمة الله؛ بشكرها باللسان والجنان والجوارح والأركان إذا بها تجحد تلك النعم وتتنكر للمنعم -عز وجل- وتستخدم نعم الله في معاصي الله ويصيبها داء الأمم؛ الأشر والبطر... فكانت النهاية المحتومة هي نزع النعم منهم؛ فبدَّلهم الله -تعالى- من الأمن خوفًا، ومن الرزق الوفير جوعًا وعوزًا! ثم يكون العذاب يوم القيامة بشؤم جحودهم وبطرهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ)[إبراهيم: 28-29].  

 

وهذه هي سنة الله في خلقه التي لا تتبدل ولا تتغير ولا تتخلف: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)[الأنفال: 53]، فالنعمة تدوم ولا تزول ما قمنا بشكرها، بل هي تزيد كلما شكرنا المنعم -عز وجل- عليها: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)[إبراهيم: 7]، وكذلك النقم لا تُرفع عن قوم نزلت عليهم حتى يؤبوا ويتوبوا ويرجعوا إلى دينهم: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)[الرعد: 11].

 

***

 

ولقد أنعم الله -عز وجل- على بلادنا بكلتا النعمتين؛ نعمة الأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار، ونعمة الرزق الوفير الرغيد... منة من الكريم -عز وجل- ومحض تفضل منه -سبحانه-، وما طلب منا إلا شكرها: قولًا بألسنتنا وامتنانًا له -تعالى- بقلوبنا، واستعمالًا للنعم في الطاعة بجوارحنا... فهذا هو شكر النعمة إجمالًا:

 

أما تفصيلًا، فيكون شكر النعم بأمور كثيرة:

أولها: الحفاظ على استقرار المجتمع بعدم نشر الشائعات: فكم أحدثت الشائعات من أزمات، وكم أحلت من كربات، وكم عانينا من مراراتها، واسأل أم المؤمنين عائشة كم عانت في حادثة الإفك!... وانظر إلى المسلمين يوم أُحد كيف قعد بعضهم عن القتال وسط المعركة لما أُشيع أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد مات!... ثم انظر إليهم يوم حنين كيف كادت أن تحدث الفاجعة وأن يُستأصل المسلمون وينهزموا لما أُشيعت نفس الشائعة!... وسل جريجًا العابد ماذا فُعل به لما أشاعت البغي كذبتها!... وسل مريم الطاهرة العفيفة الشريفة ما شعورها حين أشاعوا عنها الزنا كذبًا وزورًا وبهتانًا!... وكم من شائعات كادت تُحدِث الكوارث، بل هي أحدثت! 

 

وثانيها: الكف عما لا نعلم، وعدم الخوض في أحداث جاريات بغير علم ونور وهدى، بل ترك الأمر لأولى الأمر والعلم والنهى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)[النساء: 83]، ولو سكت من لا يعلم لقل الخلاف والتناحر والتدابر والتلاسن!

 

 

وثالثها: عدم إشاعة الخوف؛ بتناقل أخبار الضربات الغاشمات والاعتداءات الظالمات، والتهويل والتضخيم من حجم ما يحدث وإعطائه فوق قدره، مما يستتبع إشاعة الخوف والفوضى والاضطراب بين صفوف المسلمين، كما يفعل بعض الناس -بلا وعي للآثار السلبية لما يصنعون-؛ فيصوِّرون الضربات وينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى القنوات، فينخلع قلب الساذج، وتثور ثورة المتحمس، وتتعطل عجلة الحياة! 

 

***

 

بل على العكس تمامًا؛ إن من واجباتنا في هذه المرحلة الحرجة وفي هذا الظرف الخاص ما يلي:

 

أولًا: أن يثبت بعضنا بعضًا، فأحوج ما نكون إلى الثبات: حين تختلط الأمور وتتتابع الأحداث ويكثر المرجفون والخراصون والمتكلمون بغير هدي من الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

ثانيًا: أن نجتمع ونتحد ونتوحد ونتكاتف: ونكون كالبنيان المرصوص، فإنه أمر تُحتمه الأحداث، بل هو طاعة لرب الأرض والسموات: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)[آل عمران: 103]، وأن نحذر ثم نحترس ثم نحتاط ثم نتحرز من الفُرقة والخلاف والتشرذم والتنازع: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[الأنفال: 46].

 

وثالثها: أن ننشر الوعي والتفاؤل بين جميع فئات المجتمع: فإن الخوف والقلق والاضطراب هو أمنية العدو ومطمعه ومبتغاه من الأمة المسلمة، وإن الوعي هو الجدار الصلب والحصن الحصين الذي يمنع من ذلك ويصون الأمة من "قيل وقال" بغير برهان ودليل، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: " بئس مطية الرجل زعموا "(رواه أبو داود، وصححه الألباني).

 

ورابعها: أن نتوجه إلى الله -عز وجل- بالدعاء والرجاء أن يحفظ بلاد الإسلام من كل مكروه وسوء، وأن يوفق ولاة المسلمين لما فيه خير الدين والدنيا والوطن، إنه هو السميع القريب المجيب.

 

ولسنا أول من دعا إلى كل ما مضى ولا أول من يتمناه، بل هؤلاء هم خطباء الأمة إليه يدعون وبه يهتفون ويتوقون:

 

العنوان

مقام الشكر

2019/06/29 18300 1183 59

فالذي سقَى الكلبَ شكَر اللهُ له فغَفَر له، فكيف بمن يُحسن للمسلمين ويتفقَّد المحتاجينَ ويتصدَّق على المعوزينَ ويرحم المستضعفينَ، والذي أخَّر غصنَ الشوكِ عن الطريق شكَر اللهُ له، وغفَر له، فكيف بمن يسعى في تيسير أمور المسلمين وتفريج هموهم وتنفيس كروبهم...

المرفقات

مقام الشكر


العنوان

فضل الشكر

2010/11/27 5035 1365 31

شكر الله على نعمه واجب على كل مسلم، ومتعين على كل مؤمن، وهو السبيل لبقاء النعم ودوامها، كما أن عدم الشكر سبب زوالها واضمحلالها، وقد قيل: كلُّ شكر وإن قل ثمن لكل نوال وإن جلّ، فإذا لم يشكر المرء عرّض النعمة للزوال، وقيل أيضًا: الشكر قيد للنعم الموجودة، وصيد للنعم المفقودة...

المرفقات

الشكر


العنوان

شكر نعمة الأمن ووحدة الصف

2021/10/04 4010 1464 8

أيها المؤمنون: في ظلالِ الأمنِ تستقيمُ حياةُ الناسِ، وتطمئنُّ قلوبُهم، وتُحفَظُ أعراضُهم وأموالُهم، وتُؤمَّن سبلُهم، وتُعمَرُ مساجدُهم، فيقومُون بحقِّ خالقِهم، وتُطَبَّقُ شريعةُ اللهِ بينَهم، فينتشَرُ الخيرُ، ويعمُّ الرخاءُ، وتسيرُ عجلةُ التنميةِ، ويزدهرُ الإنتاجُ، ولو...

المرفقات

شكر نعمة الأمن ووحدة الصف.doc

شكر نعمة الأمن ووحدة الصف.pdf


العنوان

نعمة الأمن ووحدة الصف

2024/10/01 1731 919 7

لقد منّ الله -تعالى- علينا في بلادنا المملكة العربية السعودية بنعم كثيرة وجليلة، ولعل من أجلها وأعظمها نعمة الإسلام، ونعمة التوحيد، من هنا شع النور وعلت كلمة التوحيد لا إله إلا الله، دستورها القرآن الكريم، وهديها الهدي النبوي الشريف...

المرفقات

نعمة الأمن ووحدة الصف.doc

نعمة الأمن ووحدة الصف.pdf


العنوان

ماذا يكون إذا فقدت نعمة الأمن؟

2016/07/23 7057 681 5

العبادة تحلو وتصفو في ظلال الأمن, بحيث يمارس العابد عبادته وهو مطمئن البال مرتاح, ويمارس عبادته بالشكل الصحيح, وكم هو الفارق بين صلاة الخوف التي شرعها الإسلام, وصلاة الطمأنينة التي تكون تحت ظلال الأمن, هل ...

المرفقات

يكون إذا فقدت نعمة الأمن؟


العنوان

خطر الشائعات والأراجيف وقت الحروب

2012/10/31 10062 2271 70

ظهرت في مجتمعنا آفة اجتماعية خطيرة ابتلي بها كثير من الناس إلا من رحم الله تعالى، هذه الآفة تفت في عضد المجتمعات، فهي من أخطر الحروب المعنوية والأوبئة النفسية، بل من أشد الأسلحة تدميرًا، وأعظمها وقعًا وتأثيرًا، وليس من المبالغة في شيء إذا عُدَّت ظاهرة اجتماعية عالمية، لها ..

المرفقات

الشائعات والأراجيف وقت الحروب


العنوان

الشائعات

2012/10/31 6629 1403 52

إن تاريخ الإشاعة قديم قِدَم هذا الإنسان، وقد ذُكر في كتاب الله -عز وجل- نماذج من ذلك منذ فجر التاريخ، وبقراءة في تاريخ الأنبياء -عليهم السلام- وقصصهم نجد أنّ كلاً منهم قد أثير حوله الكثير من الإشاعات من قبل قومه، ثم يبثّونها ويتوارثونها أحيانًا، ولا شك أن تلك الإشاعات كان لها الأثر في جعل ..

المرفقات

العنوان

نبذ الشائعات والتحذير من الاستماع لها

2025/07/28 1113 745 4

يكثر اللغط والكلام بين الناس في المجالس، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وغالب الكلام يطلق بلا تثبت، وكل يحرص على السبق في نشر الخبر، وبذلك انتشرت الأخبار المكذوبة، والإشاعات الباطلة، فكم من مصيبة وقعت بسبب ذلك....

المرفقات

نبذ الشائعات والتحذير من الاستماع لها.doc

نبذ الشائعات والتحذير من الاستماع لها.pdf


العنوان

نعمة الأمن من أعظم النعم

2019/09/21 60154 1654 116

إن المؤمن الصادق لا يرضى بأن تُمَسَّ بلد الإسلام بسوء؛ فضلا عن أن تكون بلاد الحرمين، بل يقف معاديًا متصدِّيًا لكل من يريد التطاولَ على قِيَمِها وثوابتها، أو يسعى في إشاعة الفوضى فيها، أو الاستجابة لمن يريد زعزعة الاستقرار والإخلال بأمنها...

المرفقات

نعمة الأمن من أعظم النعم


العنوان

خطبة الشكر

2021/08/30 3747 1778 11

وَلِأَنَّ كُلَّ شَاكِرٍ لِرَبِّهِ فِي الْحَقِيقَةِ مُحْسِنٌ إِلَى نَفْسِهِ بِالشُّكْرِ، لَاَ أَنَّه مُكَافِئٌ بِهِ لِنِعَمِ الرَّبِّ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُكَافِئَ نِعَمَ اللهِ؟ فَنِعَمُ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُعَدَّ، فَأَنْعَمَ عَلَيْنَا بِجَمِيعِ...

المرفقات

خُطْبَةُ الشُّكْر.doc

خُطْبَةُ الشُّكْر.pdf


العنوان

أثر طاعة ولي الأمر واجتماع الكلمة عليه في نعمة الأمن

2021/10/03 3782 1516 2

وكل مجتمعٍ يفقدُ الجانب الأمني في ثناياه إنما هو في الحقيقة فاقدٌ لمعنى الحياة لا محالة، فما قيمة حياةٍ يتوجس فيها الفرد ويخاف من أن يكون عُرضة لنهبِ الناهبين, وجشعِ الطامعين, يتوجس في الصباح الدوائرَ, ويبيت الليل مشغول الخاطر, إذا أصبح حمل همّ المساء...

المرفقات

أثر طاعة ولي الأمر واجتماع الكلمة عليه في نعمة الأمن.doc

أثر طاعة ولي الأمر واجتماع الكلمة عليه في نعمة الأمن.pdf


إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات