اقتباس
ولقد أنعم الله -عز وجل- على بلادنا بكلتا النعمتين؛ نعمة الأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار، ونعمة الرزق الوفير الرغيد... منة من الكريم -عز وجل- ومحض تفضل منه -سبحانه-، وما طلب منا إلا شكرها: قولًا بألسنتنا وامتنانًا له -تعالى- بقلوبنا، واستعمالًا للنعم في الطاعة بجوارحنا...
هو مَثَلٌ ضربه القرآن الكريم لقرية من القرى كانت غارقة في نعم الله -تعالى- وأفضاله، لكنها بدَّلت نعمة الله كفرًا، فكانت العاقبة أن زالت عنها النعم وحلت عليها النقم! يقول الله -عز وجل-: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)[النحل: 112]؛ فـ"جعلها مثلًا لكل قوم أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النعمة فكفروا، فأنزل الله بهم نقمته"(تفسير البيضاوي).
فلقد أنعم الله -تعالى- على تلك القرية بنعمتين؛ نعمة الأمن والطمأنينة، ونعمة الرزق الطيب الرغيد، فبدلًا من أن تصون نعمة الله؛ بشكرها باللسان والجنان والجوارح والأركان إذا بها تجحد تلك النعم وتتنكر للمنعم -عز وجل- وتستخدم نعم الله في معاصي الله ويصيبها داء الأمم؛ الأشر والبطر... فكانت النهاية المحتومة هي نزع النعم منهم؛ فبدَّلهم الله -تعالى- من الأمن خوفًا، ومن الرزق الوفير جوعًا وعوزًا! ثم يكون العذاب يوم القيامة بشؤم جحودهم وبطرهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ)[إبراهيم: 28-29].
وهذه هي سنة الله في خلقه التي لا تتبدل ولا تتغير ولا تتخلف: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)[الأنفال: 53]، فالنعمة تدوم ولا تزول ما قمنا بشكرها، بل هي تزيد كلما شكرنا المنعم -عز وجل- عليها: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)[إبراهيم: 7]، وكذلك النقم لا تُرفع عن قوم نزلت عليهم حتى يؤبوا ويتوبوا ويرجعوا إلى دينهم: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)[الرعد: 11].
***
ولقد أنعم الله -عز وجل- على بلادنا بكلتا النعمتين؛ نعمة الأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار، ونعمة الرزق الوفير الرغيد... منة من الكريم -عز وجل- ومحض تفضل منه -سبحانه-، وما طلب منا إلا شكرها: قولًا بألسنتنا وامتنانًا له -تعالى- بقلوبنا، واستعمالًا للنعم في الطاعة بجوارحنا... فهذا هو شكر النعمة إجمالًا:
أما تفصيلًا، فيكون شكر النعم بأمور كثيرة:
أولها: الحفاظ على استقرار المجتمع بعدم نشر الشائعات: فكم أحدثت الشائعات من أزمات، وكم أحلت من كربات، وكم عانينا من مراراتها، واسأل أم المؤمنين عائشة كم عانت في حادثة الإفك!... وانظر إلى المسلمين يوم أُحد كيف قعد بعضهم عن القتال وسط المعركة لما أُشيع أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد مات!... ثم انظر إليهم يوم حنين كيف كادت أن تحدث الفاجعة وأن يُستأصل المسلمون وينهزموا لما أُشيعت نفس الشائعة!... وسل جريجًا العابد ماذا فُعل به لما أشاعت البغي كذبتها!... وسل مريم الطاهرة العفيفة الشريفة ما شعورها حين أشاعوا عنها الزنا كذبًا وزورًا وبهتانًا!... وكم من شائعات كادت تُحدِث الكوارث، بل هي أحدثت!
وثانيها: الكف عما لا نعلم، وعدم الخوض في أحداث جاريات بغير علم ونور وهدى، بل ترك الأمر لأولى الأمر والعلم والنهى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)[النساء: 83]، ولو سكت من لا يعلم لقل الخلاف والتناحر والتدابر والتلاسن!
وثالثها: عدم إشاعة الخوف؛ بتناقل أخبار الضربات الغاشمات والاعتداءات الظالمات، والتهويل والتضخيم من حجم ما يحدث وإعطائه فوق قدره، مما يستتبع إشاعة الخوف والفوضى والاضطراب بين صفوف المسلمين، كما يفعل بعض الناس -بلا وعي للآثار السلبية لما يصنعون-؛ فيصوِّرون الضربات وينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى القنوات، فينخلع قلب الساذج، وتثور ثورة المتحمس، وتتعطل عجلة الحياة!
***
بل على العكس تمامًا؛ إن من واجباتنا في هذه المرحلة الحرجة وفي هذا الظرف الخاص ما يلي:
أولًا: أن يثبت بعضنا بعضًا، فأحوج ما نكون إلى الثبات: حين تختلط الأمور وتتتابع الأحداث ويكثر المرجفون والخراصون والمتكلمون بغير هدي من الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.
ثانيًا: أن نجتمع ونتحد ونتوحد ونتكاتف: ونكون كالبنيان المرصوص، فإنه أمر تُحتمه الأحداث، بل هو طاعة لرب الأرض والسموات: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)[آل عمران: 103]، وأن نحذر ثم نحترس ثم نحتاط ثم نتحرز من الفُرقة والخلاف والتشرذم والتنازع: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[الأنفال: 46].
وثالثها: أن ننشر الوعي والتفاؤل بين جميع فئات المجتمع: فإن الخوف والقلق والاضطراب هو أمنية العدو ومطمعه ومبتغاه من الأمة المسلمة، وإن الوعي هو الجدار الصلب والحصن الحصين الذي يمنع من ذلك ويصون الأمة من "قيل وقال" بغير برهان ودليل، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: " بئس مطية الرجل زعموا "(رواه أبو داود، وصححه الألباني).
ورابعها: أن نتوجه إلى الله -عز وجل- بالدعاء والرجاء أن يحفظ بلاد الإسلام من كل مكروه وسوء، وأن يوفق ولاة المسلمين لما فيه خير الدين والدنيا والوطن، إنه هو السميع القريب المجيب.
ولسنا أول من دعا إلى كل ما مضى ولا أول من يتمناه، بل هؤلاء هم خطباء الأمة إليه يدعون وبه يهتفون ويتوقون:
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم