الانشغال بما ينفع في زمنِ التشتت

🕌 خُطْبَةُ الجُمُعَة
 
الانشغالُ بما يَنفَعُ في زمنِ التشتُّت! 
 
الخُطْبَةُ الأُولَى
 
الحمدُ للهِ الذي قسَمَ بالعصرِ، وأشهدُ أنَّ الإنسانَ لفي خُسرٍ، إلَّا مَن عَمَرَ وقتَهُ بالإيمانِ والعملِ الصالحِ، وتواصى بالحقِّ وتواصى بالصبرِ.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُهُ ورسولُه، صلواتُ ربّي وسلامُهُ عليه، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين.
 
أمَّا بعد:
أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ؛ فَهِيَ خَيْرُ زادٍ ليومِ المعادِ.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18].
 
أيُّها الأحبَّة:
تأمَّلوا — رحمكمُ الله — كلَّ فجرٍ ينشقُّ، يُنادينا: أنا خلقٌ جديد، وعلى عملِكَ شهيد، فتزوَّدْ منّي فإنّي لا أعودُ إلى يومِ القيامةِ.
أيَّامُنا صفحاتٌ، وساعاتُنا أنفاسٌ، إمّا تُكتَبُ في طاعةٍ وذِكرٍ وإنجازٍ، أو تُطوَى في غفلةٍ ولهوٍ وإضاعةٍ.
 
عبادَ الله…
سؤالٌ صريح: كم ساعةً التهَمَها الهاتفُ؟
كم نظرةٍ… كم لَفَّةَ إبهامٍ… كم من مقطعٍ لا يَزيدُنا إلَّا غفلةً؟
هل تأمَّلتم أثرَ الشاشاتِ على القلوبِ والبيوتِ والأوقاتِ؟
هل رأيتم كيف يتسرَّبُ العُمرُ من بينِ الأصابعِ؟
 
وقد وصفَ المولى — عزَّ وجلَّ — عبادَهُ المُفلحين فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾؛ الإعراضُ عن اللَّغوِ شرطُ فلاحٍ، وميزانُ نجاةٍ.
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ فكيف إذا ألهانا جهازٌ صغيرٌ عن فرضٍ كبيرٍ وفرصِ خيرٍ وطاعةٍ وإحسانٍ؟!
 
تأمَّلوا…
– أبٌ يعودُ من عملِه… يُسلِّم، ثم يغيبُ في شاشةٍ.
– أُمٌّ تُنادي… والعيونُ على الهواتفِ.
– مجلسُ أُنسٍ صارَ صمتًا… وكلُّ واحدٍ في جزيرتِه الرَّقميَّةِ.
– نومٌ يتأخَّر… فجرٌ مُظلِم… وصُحفٌ تُطوَى.
 
قال النبيُّ ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»؛ قاعدةٌ ذهبيَّةٌ تُغلقُ أبوابَ التشتُّتِ.
وقال ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»؛ فكم بعنا الفراغَ ببخسٍ في أسواقِ التَّفاهةِ!
 
ويقولُ الحسنُ البصريُّ: «يا ابنَ آدمَ، إنَّما أنتَ أيَّامٌ، إذا ذهبَ يومٌ ذهبَ بعضُكَ»؛ كلمةٌ تُقرِعُ القلوبَ.
وقال ابنُ القيِّم: «إضاعةُ الوقتِ أشدُّ من الموتِ؛ لأنَّ الموتَ يقطعُكَ عن الدُّنيا، وإضاعةُ الوقتِ تقطعُكَ عن اللهِ والآخرةِ».
 
وسائلُ التواصُل… ماذا صنعت؟
– التهَمَتِ الوقتَ. بدَّدتِ الانتباهَ. أضعفتِ الهِمَّةَ.
– أشاعتِ اللَّغوَ، وروَّجتِ القيلَ والقالَ.
– كشفتِ الأسرارَ وهتكتْ سِترَ البيوتِ؛ صُوَرٌ خاصَّةٌ… دردشاتٌ… تسجيلاتٌ.
 
والقرآنُ يُحذِّر: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
ويقولُ اللهُ — عزَّ وجلَّ —: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾؛ دينُنا يصونُ الخصوصيَّةَ ويَحمي الأعراضَ، ويُربِّي العبدَ على أن ينشغلَ بنفسِه وعملِه، ويتركَ ما لا يعنيه. فما أجملَهُ من دينٍ، ويا حرمانَ مَن ابتعدَ عن هَديِهِ وقِيَمِهِ وتعاليمِهِ.
 
أيُّها المؤمنون!
احفَظوا أوقاتَكم، وانشغِلوا بما ينفعُكم…
 
> والوقتُ أنفَسُ ما عُنيتَ بحفظِهِ
وأراهُ أسهلَ ما عليكَ يضيعُ.
 
وهذه الدنيا — واللهِ — قصيرةٌ، بل أقصرُ ممَّا نتوقَّع…
 
> دقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ لهُ … إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثوانِ.
 
عبادَ الله… قبل أن يُقالَ لنا: قِفُوا للحسابِ؛ تذكَّروا حديثَ النبيِّ ﷺ: «لا تزولُ قَدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسأَلَ عن عمرِهِ فيما أفناهُ…».
فأيُّ جوابٍ نُعِدّ؟! واللهُ المستعانُ…
عفا اللهُ عنَّا ما مضى، ووفَّقنا فيما بقي…
 
أقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ، فاستغفِروه وتوبوا إليه، إنَّهُ هو الغفورُ الرَّحيمُ.
 
 
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحمدُ للهِ الكريمِ المنَّانِ، العزيزِ ذي السُّلطانِ، خلقَ الإنسانَ من ترابٍ ثم قال له: كن، فكان، يُعطي ويمنع، ويخفضُ ويرفع، وكلَّ يومٍ هو في شأنٍ.
أحمدُه تعالى وأشكرُه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه، صلّى اللهُ عليهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
 
أمَّا بعد:
فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمّدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعةٌ.
 
أيُّها المؤمنون!
التَّركيزُ نعمةٌ، والإنجازُ ثمرةٌ.
قال ﷺ: «احرِصْ على ما ينفعُكَ، واستعِن باللهِ ولا تَعجِزْ».
 
هذا، واعلموا أنَّ التَّركيزَ نعمةٌ عظيمة، ومهارةٌ أساسيَّةٌ،
بها تَسلَمُ النفوسُ، ويصحُّ العقلُ، ويستقيمُ الفكرُ.
 
التَّركيزُ هو الذي يُوجِّهُ انتباهَكَ إلى أهدافِكَ، ويُثبِّتُ عينَكَ على طموحاتِكَ، فلا تَضيعُ بينَ المُشتّتاتِ.
وفي عالمٍ يَغُصُّ بالصوتِ والصورةِ، ويزدحمُ بالإشعاراتِ والمقاطعِ؛ يأتي التَّركيزُ كَنُورٍ يَهديكَ، وحِرزٍ يحفَظُكَ، وسلاحٍ يُمكِّنُكَ من إدارةِ أفكارِكَ وحفظِ طاقَتِكَ.
 
مَن فقدَ التَّركيزَ تفتَّتت قوَّتُهُ، وتفرَّقَ همُّهُ، وضاعت أعمارُهُ في صغائرَ لا ترفعُ.
ومَن أحسنَ التَّركيزَ رأيتَهُ مُنتِجًا في دُنيا، سعيدًا في نفسِه، مُقبِلًا على ربِّه.
 
قالوا: مَن شغَلَهُ ما لا يعنيهِ فاتَهُ ما يعنيهِ.
وقيل: العُمرُ ثلاثةُ أنفاسٍ: ماضٍ لا يُدرَكُ، ومستقبلٌ لا يُعلَمُ، وحاضرٌ هو كَنزُكَ الثمينُ… فاشتغِلْ بما ينفعُكَ.
 
خُطُواتٌ عمليّةٌ نطردُ بها التشتّتَ من حياتِنا:
 
أوَّلًا: جردُ المُشتّتاتِ، ثم خُذْ قرارَكَ بالتخلّصِ منها قبلَ أن تتخلَّصَ هي منك بما تورثُهُ من كسلٍ وضياعٍ.
ثانيًا: "القرآنُ أوَّلًا"؛ فعوِّد نفسَكَ قبلَ أن تستخدمَ هاتفَكَ أن تقرأَ شيئًا من كتابِ اللهِ، فهو حصنُكَ في زمنِ الفتنةِ والتشتّتِ.
ثالثًا: المحافظةُ على أذكارِ الصباحِ والمساءِ؛ فهي عبادةٌ مرتبطةٌ بالزمنِ، تُقالُ عندَ إقبالِ النهارِ وعندَ إدبارِ الليلِ، تُظلِّلُ المسلمَ بحفظِ اللهِ. قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17].
خامسًا: تنظيمُ الوقتِ وتحديدُ الأولويّاتِ؛ خطِّط يومَكَ في ذهنِكَ قبلَ واقعِكَ، واعرفْ ما تُقدِّمُ وما تُؤخِّرُ، فإنَّ وضوحَ الوجهةِ يُباركُ في العمرِ.
سادسًا: محاسبةُ النفسِ ومكافأتُها؛ قِفْ مع نفسِكَ كلَّ مساءٍ وقفةَ صِدقٍ: ماذا أنجزتُ اليوم؟ ثم استشعرْ لذَّةَ الإنجازِ، فذلك يُنبِتُ الهمَّةَ، ويُنعِشُ الروحَ.
 
عبادَ الله… الأوقاتُ أنفاسٌ لا تعودُ، والأعمارُ صفحاتٌ تُطوَى سريعًا.
وقدوتُنا محمّدٌ ﷺ علَّمَ أصحابَه وأمّتَه اغتنامَ الساعاتِ، وحذَّرَهم من ضياعِ الأعمارِ.
 
فأكثِروا — رحمكمُ الله — من الصلاةِ والسلامِ عليه، فقد قال ربُّنا جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا محمّدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين.
 
اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في أعمارِنا، ووفِّقنا لاغتنامِ أوقاتِنا فيما يُرضيكَ.
اللَّهُمَّ اصرفْ عنَّا الملهياتِ، واحفَظْ قلوبَنا من التشتّتِ والضياعِ.
اللَّهُمَّ أصلِحْ لنا أولادَنا وبناتِنا، واجعلْهم قُرَّةَ عينٍ لنا، حَفَظَةً لكتابِكَ، عاملينَ بسُنَّةِ نبيِّكَ.
اللَّهُمَّ وفِّق وُلاةَ أمرِنا لما تُحبُّ وترضى، واجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًّا وسائرَ بلادِ المسلمينَ.
اللَّهُمَّ اغفرْ لنا ولوالدينا، وللمؤمنينَ والمؤمناتِ، الأحياءِ منهم والأمواتِ.
اللَّهُمَّ اجعلْ أعمالَنا خالصةً لوجهِكَ، وبلِّغْنا منازلَ المفلحينَ الذينَ عنِ اللَّغوِ مُعرِضون.
 
وصلَّى اللهُ وسلَّم على نبيِّنا محمّدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
المرفقات

1756398115_الانشغالُ بما يَنفَعُ في زمنِ التشتُّت!.pdf

المشاهدات 402 | التعليقات 0