بدعة المولد النبوي

خالد الشايع
1447/03/05 - 2025/08/28 16:59PM

الخطبة الأولى ( بدعة المولد النبوي )       6ربيع الأول 1447

أما بعد:

فيا أيها الناس: إن الدين متين ، ولن يشاده أحد إلا غلبه ، وإن الله قد أكمل لنا الدين، ولم يمتِ النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا وقد بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، وتركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك ، فكل عبادة ومستحسن من أمور الدين ، لم يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا خلفاؤه الراشدون ، فهو بدعة مردودة على صاحبها ؛ كما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيها من حديث عائشة قال صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".

وفي رواية مسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".

وبهذا نعلم أنه لا يوجد في الدين بدعة حسنة ، وبدعة سيئة ، فكل البدع ضلال ؛ أخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في خطبته:  وشر الأمور محدثاتها ، وكلّ محدثة بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة".

 عباد الله : نحن في شهر ربيع الأول ، الشهر الذي ولد فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- كما نص عليه أكثر أهل العلم ، وفي يوم الاثنين ؛ كما في صحيح مسلم ، واختلف في أي يوم ، فقيل: الثاني عشر، وقيل غيره.

 ولقد أحدث الناس بدعة المولد، والمولد هو يوم الولادة ، والمراد به هنا: إقامة احتفالٍ بذكرى يوم ولادة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإظهار الفرح والسرور بذلك.

 ويكون ذلك عادةً بإقامة الولائم يصاحبها إقامة مجالس لقراءة الكتب التي أُلِّفت من أجلها، وهي مشتملة على ذكر مولده صلى الله عليه وسلم، وما صاحب ذلك من أحداث، وذكر شمائله، ومعجزاته، وتعداد أهل بيته، ومناقبهم.

 ولقد سرت هذه البدعة السيئة التي لم يفعلها النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا الخلفاء الراشدون، ولا القرون المفضلة.

 مما يؤسف له أن هذه البدعةَ لا يخلوا منها بلد إسلامي فضلا عن غيره ، غير هذه البلد المباركة ولله الحمد ، وأعني إقامته رسميا ، ويوضع لها الإعلانات ، ويدعى لها الناس ، ويحصل فيها بدعٌ أخرى، ومعاص كثيرة.

 إن بدعة المولد النبوي بدعة منكرة، يضلل فاعلها؛ لأن دين الله -تعالى- قد كمل -ولله الحمد-، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً)[المائدة: 3]. فمن زاد في الدين فقد طعن في الرسالة .

 قال الإمام مالك: "فما كان في ذلك اليوم دين، فهو دينًا، وما لم يكن في ذلك اليوم دين فليس من الدين".

 ولا شكَّ أن بدعة المولد أحدثها العبيديون حكام الدولة الفاطمية، ويسمون أنفسهم بالفاطميين، والنسب الشريف منهم براء، وهم زنادقة ملاحدة، فهي بدعة محدثة، وضلالة منكرة.

 

 وأكد هذه النسبة إلى الفاطميين من المعاصرين الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي مفتي الديار المصرية "المتوفى سنة 1354هـ"، بل ذكر أن أوّل من أحدثها بالتحديد منهم المعز لدين الله الفاطمي.

 واتفق الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي مع الأستاذ علي محفوظ على أن الملك المظفر أبا سعيد إنما أحدث المولد النبوي بمدينة إربل في القرن السابع بعد الفاطميين.

 هؤلاء الفاطميون لم يعترف بنسبهم إلى أهل البيت أحد من أهل العلم الثقات، بل ألفوا في الطعن والقدح فيهم الكتب والمحاضر، وشهدوا عليهم بالإلحاد والزندقة والإباحية.

 قال الباقلاني: "هم قوم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض".

 وكانوا يحدثون في هذه الاحتفالات أمورًا شنيعة ذكرها المقريزي في خططه عقّب عليها الشيخ محمد بخيت المطيعي بقوله: "وأنت إذا علمت ما كان يعمله الفاطميون في المولد النبوي جزمت بأنّه لا يمكن أن يحكم عليه بالحلّ".

 فهذا الاحتفال لا شكّ أنّه محدث بعد القرون الثلاثة، وأن الذين أحدثوه هم من أخبث الفرق التي انتسبت إلى الإسلام إن لم تكن أخبثَها.

 فليحذر المسلم اللبيب من الانسياق وراء البدع، والوقوع فيها فإنها ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعلى المسلم أن لا يغتر بكثرة الهالكين، ولكن لينظر إلى الناجي كيف نجى.

 اللهم وفقنا لهداك، واجعل عملنا في رضاك، يا رب العالمين.

 أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم...

 الخطبة الثانية:

 أما بعد:

 فيا أيها الناس: اتقوا الله ربكم، واعلموا أنكم ملاقوه، فسائلكم عما كنتم تعملون، فاعدوا للسؤال جوابا.

 ومن المنكرات التي تصاحب بدعة المولد، وتكون فيه: الاختلاط بين الرجال والنساء، والفتنة بهن، وهذا أمر معلوم فساده ونكارته.

 ومن ذلك: القيام الذي يكون في المولد يسمّى بـ "الفزة"، ومرادهم منه القيام بسرعة، وذلك عند ورود ذكر ولادة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وخروجه إلى الدنيا، ويسمّى عندهم أيضًا بـ "الحضرة"؛ لأنّ كثيرًا منهم يزعم أنّ روح النبي -صلى الله عليه وسلم- تحضر عندها، ويقولون: "حضر، حضر" ويتركون النافذة مفتوحة لتدخل روح النبي -صلى الله عليه وسلم- منها، فجمعوا بين البدعة وبين إساءة الأدب مع النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ يجعلونه مخالفًا لما أمر الله به في كتابه، قال تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)[البقرة: 189].

ومن المنكرات في ليلة المولد: الإسراف في المولد النبوي إسرافًا شديدًا جدًا، حتى قال محمد بخيت المطيعي الحنفي مفتي الديار المصرية: "وأنت إذا علمت ما كان يعمله الفاطميُّون ومظفر الدين في المولد النبوي جزمت بأنه لا يمكن أن يحكم عليه بالحل".

 ومن المنكرات في ليلة المولد: ما اشتملت عليه من المنكرات الأخلاقية؛ مثل: استعمال الأغاني وآلات الطرب، قال ابن الحاج: "مضوا في ذلك على العوائد الذميمة في كونهم يشتغلون في أكثر الأزمنة التي فضَّلها الله، وعظمها ببدع ومحرمات".

 ومثل: قلة احترام كتاب الله؛ فإنهم يجمعون بينه وبين الأغاني.

 ومنها: تلاوة الأشعار في مدح النبي -صلى الله عليه وسلم- على ما فيها من معانٍ شركية صارخة؛ كقصيدة البوصيري، والتي تسمى بالبردة، ومن أبياتها:

 يا أكرمَ الخلق ما لي منْ ألوذُ بـه *** سواك عند حلول الحادث العَـمِمِ

ولن يضيق رسولَ الله جاهُك بــي  *** إذا الكريمُ تجلَّى باسم منتقـــمِ

فإنّ من جودك الدنيا وضرّتَهــا  *** ومن علومك علمَ اللوحِ والقلـــمِ

 قصد بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلا أدري ما ترك لله –تعالى-.

 إلى غيرها من الضلالات التي تكون فيها: (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) [النــور: 40].

 ومن زعم أنه يقيم المولد بدون منكرات، قلنا له وهو في نفسه منكر وبدعة، ولو خلا من المحاذير، كيف وهو ملئ بالضلال؟!

 عباد الله : وينجر معه في الحكم ، حكم الاحتفال بمولد الإنسان نفسه ، فتجده كل سنة يقيم احتفالا ولو مصغرا محتفلا بمرور سنة على حياته فهذا أيضا ممن  البدع ، ونقول لمن أقامه لو كان خيرا لسبقونا إليه ، وهذه البدع تجر بدا أخرى من إقامة موالد لكل غال على الناس ولكل عالم ولكل ملك وأمير وهكذا ، فعلينا أن نلزم سنة نبينا صلى الله عليه وسلم ففيها النجاة .

اللهم أرنا الحق حقا...

 

المرفقات

1756389568_بدعة المولد النبوي 2.docx

المشاهدات 200 | التعليقات 0