نعمة الأمن وشكرها(4)سورة قريش - موافقة للتعميم
الشيخ تركي بن علي الميمان
عنوان الخطبة : نعمة الأمن وشكرها(4)سورة قريش
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }[آل عمران:102]
عباد الله: شهر رمضان شهر القرآن، والقرآن أنزله الله تعالى على عباده ليتدبَّروه ويتَّعظوا به؛ ومما نزل من القرآن سورة قريش: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ. إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:1-4]
فقوله:{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ. إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ}
أي: لاجتِماعِ قَبيلةِ قُرَيشٍ واعتيادِهم كُلَّ عامٍ القيامَ برِحلةٍ في الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ، ورِحلةٍ في الصَّيفِ إلى الشَّامِ للتِّجارةِ الَّتي كان بها قِوامُ عَيشِهم .
وفي هذا إشارةٌ إلى تمامِ قُدرتِه سُبحانَه، وأنَّه إذا أراد شيئًا يسَّر سبَبَه؛ لأنَّ التَّدبيرَ كُلَّه له، يَخفِضُ مَن يَشاءُ وإن عَزَّ، ويَرفَعُ مَن يَشاءُ وإن ذَلَّ؛ ليُثمِرَ اعتِقادُ ذلك حُبَّه، والانقِطاعَ لعبادتِه، والاعتمادَ عليه في كُلِّ نَفعٍ ودَفعٍ .
ولَمَّا تقَرَّر أنَّ الإنعامَ لا بُدَّ أن يُقابَلَ بالشُّكرِ والعُبوديَّةِ؛ لا جَرَمَ أُتبِعَ ذِكرُ النِّعمةِ بطَلَبِ العُبوديَّةِ: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ}
أي: فلْيَعبُدوا اللهَ رَبَّ البَيتِ الحرامِ الَّذي جَعَل لهم بسَبَبِه خيرًا كثيرًا، فيَشكُروه بإخلاصِ العبادةِ له دونَ ما سِواه. كما قال: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[النمل:91]
ثم قال: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}
أي: الَّذي أطعَمَ قُرَيشًا مِنَ الجُوعِ، فكفاهم ذلك. كما قال: {وَإِذْ قَالَ
إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}[البقرة:126]
{وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}
أي: وآمَنَهم مِنَ الخَوفِ، فلا يَعتَدي عليهم أحدٌ. كما قال: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:96-97]، وقال سُبحانَه :{أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا}[القصص:57]
فرَغَدُ الرِّزقِ والأمْنُ مِنَ المخاوِفِ مِن أكبَرِ النِّعَمِ الدُّنيويَّةِ الموجِبةِ لشُكرِ اللهِ تعالى.
{فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} فمَنِ استجابَ لهذا الأمرِ جَمَع اللهُ له بيْن أمْنِ الدُّنيا وأمْنِ الآخِرةِ، ومَن عصاه سَلَبَهما منه، كما قال: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [النحل: 112-113] - [التفسير المحرر(44/285-290)]
عباد الله: إننا ننعم في هذه البلاد-السعودية-بنعم عظيمة، أعظمها بعد نعمة الإسلام، نعمة الأمن في الأوطان.
فالوحدة نعمة، والأمن نعمة، واجتماع الكلمة نعمة، وترسيخ قيم الانتماء وتعزيز اللحمة الوطنية نعمة، والالتفاف حول القيادة نعمة، والمحافظة على ممتلكات الوطن نعمة.
وكلُّ هذه النعم-عباد الله-تحتاج منا المحافظة عليها لبقائها وعدم زوالها. فهذه النعم نحتاج إلى شكرها وعدم كفرها لبقائها وزيادتها، وعدم زوالها.
قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}[إبراهيم:7]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}[العنكبوت:67]
بارك الله لي ولكم في القرآن...
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ،ومن سار على نهجه واقتفى.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون} [الحشر:18]
عباد الله: في ظلِّ الأحداث والأزمات:
لنحذر من نشر الشائعات وتداولها والتسرُّعِ في تناقل الأخبار؛ قال صَلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»[رواه مسلم (4)]
ولنحذر من الخوض في الأحداث والأزمات في المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي، وترك ذلك لأهل الاختصاص ومن ولّاه الله الأمر؛ قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}[النساء:83] وقال صَلى الله عليه وسلم: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»[رواه الترمذي (2317)وصححه الألباني]
ولنحذر من تصوير أو تداول المقاطع المتعلقة بالأحداث الأمنية؛ لما في ذلك من الإرجاف، وإشاعة الخوف، وتعريض الأنفس والمصالح للخطر، وإعانة العدو على التمادي في عدوانه.
وهذه دعوة لنا جميعاً -عباد الله- في هذا الشهر الكريم ولا سيما ونحن مقبلون على العشر الأواخر من رمضان التي هي أفضل ليالي الشهر؛ دعوة لنا بالإكثار من الدعاء إلى الله تعالى بحفظ مقدساتنا وقيادتنا وبلادنا من كل سوء ومكروه، وأن يديم على المملكة عزَّها وقوَّتها ومنعتها، وأن يحفظ لها ولسائر بلاد المسلمين الأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار، وأن يحفظ جنودنا الذين يذودون عن بلادنا ويسدد رأيهم ورميهم وأن يخلفهم في أهلهم بخير.
فالصائم من الذين لا تُردُّ دعوتهم، والله يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة:186]
فلنتق الله تعالى-عباد الله-، ولنحافظ على نعمة الأمن في هذه البلاد، وذلك بتطبيق شرع الله في أنفسنا وفي مجتمعنا، وليجعل كل واحد منا نفسه رجل أمن للمحافظة على أمن هذه البلاد من كل مغرض وحاقد وفاسد يريد زعزعة أمن هذه البلاد، وتفريق كلمتها.
وصلوا وسلموا على نبيكم محمد
المرفقات
1772738611_نعمة الأمن وشكرها(4)سورة قريش.docx
1772738628_نعمة الأمن وشكرها(4)سورة قريش.pdf
شبيب القحطاني
عضو نشطجزاك الله خيرا
تعديل التعليق