واقترب اللقاء (حول قدوم رمضان)

سامي بن محمد العمر
1447/08/24 - 2026/02/12 22:16PM

واقترب اللقاء

25/8/1447

 

أيامٌ معدودات تفصلنا عن الأيام المعدودات.

وساعاتٌ ستمضي حثيثاتٍ سريعاتٍ، ويَهُلُ هلالُه، وتُشرقُ أنوارُه.

وكلما اقترب اللقاءُ تسارعت نبضاتُ قلوبِ الأرواحِ المشتاقةِ تسارعَ المشتاقِ إلى أهله، والمسافرِ المغتربِ إلى بلده.

ومن حكمةِ الله سبحانه وتعالى أن عقدَ لأهلِ وُدّه أوقاتَ اختبارٍ وابتلاء، ليميزَ أهلَ الإيمانِ ويُظهرَ أهلَ الصفاءِ بنعمةِ الاصطفاء.

فإذا انشغلتْ قلوبُ أهلِ وُدِّه في يومها بمصارعة الدنيا وأحوالها، أعادها إليه كلَّ يوم خمس مرات في اختبار الصلوات ليميزَ الخبيثَ من الطيب.

وإذا تاهتْ في صحاري الأفكارِ ألزمها أن تحضرَ كلَّ جمعةٍ لتتذكرَ تقواه، وتعودَ إلى حياضِ محبته ورضاه.

وإذا غفلتْ أحدَ عشرَ شهراً عما يُحبه من الأعمالِ والأقوال، وأبحرتْ في الدنيا الغَرور، أنقذها من تلاطمِ الأمواجِ، والغرقِ في مائِها الثجاجِ؛ بالعودة إلى الواحةِ وموطنِ الأمنِ والراحة، ومنّ عليها بالقربِ منه شهراً كاملاً تبيعُ فيه شهواتِها الفانيةَ ولذاتِها الزائلةَ لتشتري بثمنِ القُربِ والطاعةِ والإقبالِ والإنابةِ جنةً عرضُها السمواتُ والأرضُ أُعِدت للمتقين.

إنه رمضان: الشهرُ الفريدُ في تحرير الفرد من كل عبوديةٍ أذلّته طيلةَ عامٍ كامل؛ حين كان لا يصبرُ على أكلةٍ إلا الْتَهمها، ولا عادةٍ سيئةٍ إلا فعلها، ولا شهوةٍ فانيةٍ إلا اقْترفها، ولا سيئةٍ إلا ابتدرها!

إنه رمضان: شهرُ {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}.

شهرُ مَن كسّر الأغلال وحطّم القيود وانطلق في عبودية الله حراً، مسيطرًا على أهوائه التي كانت تُسيطر عليه، وعلى نزواته التي كنت تُكبّله، وعاداته التي كانت تُقيده.

إنه رمضان: الذي يختبر الله فيه عباده ليرى منزلته في قلوبهم، ويعيد ترتيب الأولويات في نفوسهم، ويُذكِّرهم بألا يُقدِّموا شيئاً عليه، ولا يُسارعوا بقلوبهم وأعمالهم إلا إليه.

فانظر إلى الأرواح التواقة وهي تسمع هذا الحديث، كيف تحركها جملة (لي وأنا أجزي به) حين تسمعها فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به يترك طعامه، وشرابه، وشهوته، من أجلي ...الحديثَ" متفق عليه.

لقد أيقنوا أنهم أمام فضلٍ لا يُحد، وثوابٍ لا يُعد؛ لأن ذا الغنى قد نسبه إليه، وجعل جزاءه عليه؛ فأيُّ لذةٍ لطعامٍ وشرابٍ وشهوةٍ لو فاتتهم تلك الفضائل.

ثم التفتوا فوجدوا أهل الدنيا قد أسرفوا في غفلاتهم، وأكثروا من شهواتهم، وأضاعوا الشريف من أوقاتهم وانغمسوا في مستنقعات الرذائل.

فسمعت أرواحهم التواقة كأن منادياً يقول: دعوها من أجلي، فقالوا: لبيك وسعديك؛ فزادهم مع ثوابه فرحتين يفرح كل صائم بها: "إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه".

فحُق لهذه الأرواح أن تفرح، ووجب عليها أن تحمدَ وتشكر:

ولذلك تراها تُقبل في شهرها على كتاب ربها تدبراً وتلاوة، وتكثرُ من قيامها بين يديه طاعةً وإنابة، وتتلمسُ مرضاتَه في صدقة وزكاة وإطعام وعمرة وبر وصلة.

فيُهديها ربها من رحمته عوناً وقوة، ويفتح لها من أسباب الإعانة ما يشاء، ويغلق عنها من أسباب الخور والكسل ما يشاء وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء رمضان، فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين" متفق عليه.

وعندها تشدّ الأرواح التواقة لهذا الأمر مآزرها برباط الصبر والصدق {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}

حتى إذا ما لاحت لهم من بعيد ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر صاروا كالمسافر الذي أبصر قريته، والمتسابق الذي عاين غايته؛ فلا تسل عن جهدهم كيف يبذلونه! ووسعهم كيف بستفرغونه! فتراهم في آخر شهرهم أقوى عزما، وأصدق قصدا، لقربهم من الغاية التي يؤملونها، ومشاهدتهم للجائزة التي سيحصلونها.

بارك الله لي ولكم..

 

الخطبة الثانية

أما بعد:

لما كان البقاء حتى إدارك ذاك اللقاءِ غيرُ مضمون، وهجومُ الموتِ على المرء غيرُ مأمون؛ فإن العاقل مَن يبتغي السبيل إلى تحصيل الأجر ولو منعته الموانع، واستيفاء الفضل ولو حالت دونه العوائق، ولا يكون ذلك إلا بالنية الجازمة والعزيمة الصادقة على استغلال أيام رمضان – إن وفق الله لإدراكها – بالطاعة والعبادة، والتوبة والإنابة.

{وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ}

مع أنه لم يصل، ولم تكتمل هجرته واقعاً وحساً؛ ولكن الأجر قد وقع؛ لأن العازمَ على الخير فاعل، والقاصدَ للوصول واصل؛ وليس على المرء إلا النية والاجتهاد في التحصيل؛ والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

فالآن الآن - وليس بعد قليل – حركوا قلوبكم بالعزائم الصادقات، واعقدوا نياتكم على فعل الصالحات، وتوبوا من تقصيركم في حق الله، وافتحوا صفحة جديدة مع الله، وجاهدوا نفوسكم لترضخ لأحكامه، وبشِّروها بعظيم كرمه وجزيل هباته {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} {وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم}.

اللهم بلغنا شهر رمضان ....

المرفقات

1770923746_واقترب اللقاء.pdf

1770923756_واقترب اللقاء.docx

المشاهدات 375 | التعليقات 0