الكتاب الموقوت

أنشر تؤجر
1447/10/07 - 2026/03/26 14:58PM

الحَمْدُ لِلَّهِ أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَاَلَى وَأَشْكُرُهُ وَأُثْنِي عَلَيهِ الخَيرَ كُلَّهُ ، لَا عِزَّ إلّا فِي طَاعَتِهِ وَلَا سَعَادَةَ إلّا فِي رِضَاهُ وَلَا نَعِيمَ إلّا فِي ذِكْرِهِ ، وَأشهدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كثيرا .

أما بعد : فأوصيكم ونفسي بتقوى الله ، فإن التقوى هي سبيلُ قبول الأعمال ، قال تعالى :( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾.

أيها المسلمون : وَصَفَ اللهُ الإنسانَ بشدةِ الهلع ، فهو غيرُ متوازنٍ في حياتِه ، تعصفُ به أحوالُ الزمانِ مِن شرٍّ وخيرٍ فيدور في دوامتِها ، ويميلُ حيثُ مالت.

هذه حقيقتُه وإن ادَّعى أو ظنَّ من نفسِه غيرَ ذلك ، ولكنَّ اللهَ عزَّ شأنُه استثنى من حالةِ الاضطرابِ الإنساني الدائمِ ، استثنى المصلِّين :( إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾.

ثم ذكر صفاتِ أولئك المصلِّين ، فبدَأها بالمداومَةِ على الصلاة ، وخَتَمَهَا بالمحافظةِ على الصلاة ، فكأنَّ المبتدا والمنتهى بالصلاة ، وكأنَّ صلاحَ الصلاةِ يُصلح باقيَ الأعمال .

عبادَ الله : لم تكن هذه الصلاةُ قضاءً للواجب فحسب ، بل إنَّ الصلاةَ في حقيقتِها هي الصلةُ بين الإنسانِ وخالقِه ، فتطهِّرَه الصلاةُ من الذنوب ، وتصفِّي قلبَه وتشرحُ صدرَه وتُزيلُ همَّه ، وهذا المعنى الذي طلبَ به الرسولُ ﷺ من بلال أن يُريحَه بالصلاة ، فقال :" أرحنا بها يا بلال ".

هذه الصلاةُ هي الكتابُ الموقوتُ الذي ينظِّم حياةَ الإنسان كلَّها : ينظِّمُ وقتَه وأعمالَه وأولوياتِه ، يقول الله تعالى :( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ).

ومن رحمةِ اللهِ بنا أنْ جَعَلَ الصلاةَ الصِّلةُ اليوميةُ المتكررةُ خمسَ مرات ، وفي أوقاتٍ مختلفة ، راعتْ هذهِ الأوقاتُ الحاجاتِ الإنسانيةَ ، ولاءمتِ الظروفَ الكونيةَ والفِطرية ، فصارتْ أولُ صلاةٍ مع بدايةِ اليوم ، ليستهلَّ الموظفُ والعاملُ والطالبُ جِدِّيَّته بصلاةِ الفجرِ فيباركُ اللهُ في يومِهِ وعملِه ، لأنَّه في ذمةِ اللهِ حتى يُمسي ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :" من صلى الصبح فهو في ذمة الله فلا يطلبنكم الله بشيء من ذمته ، فإنه من يطلبه من ذمته بشيءً يدركه ثم يكبه في نار جهنم ".

ثم تمضي الساعاتُ بهذا الإنسان في عمله وقضاء حوائجه ، حتى يستريحَ من الرَّهَقِ والتَّعب بصلاةِ الظهر، فتتجدَّدَ طاقتُه ويواصلَ عملَه ، أو ربما ارتاحَ ، لكنَّه  لن يسرفَ في الراحةِ فأمامَه الصلاةُ الوسطى، التي أكَّدَ اللهُ سبحانه المحافظةَ عليها فقال :( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ ﴾، يعودُ المسلمُ من جديدٍ لإنجازِ المشاغلِ وقضاءِ اللوازمِ حتى يحينَ داعي المغربِ ، فيقطعُ ما بين يديه، أو يتوقَّفُ في الطريق إلى ما هو سائرٌ إليه لأدائها ، فهي فوَّاتةٌ ووقتُها قصير ، وبين العشاءين ربما وصلَ رَحِمَهُ أو جَلَسَ في بيتِه أو قضى لازمًا من لوازمِه حتى يحينَ العشاءُ فيصلِّيها ليكتملَ عِقْدُ يومِه ، ويتوثقَ الحبلُ الممدودُ بينكَ وبيَن الله ، وهكذا تستمرُّ دورةُ يومِه بهذه الطريقةِ ، التي صار عمودَها إقامةُ الصلاة ، وصارت الصلاةُ هي الميقاتَ الأساسَ الذي يوقِّتُ به المسلمُ سائرَ يومِه ، فأشغالُه مرتبطةٌ بها ، وراحتُه قائمةٌ عليها ، فهي المبدأُ والمنتهى .

عبادَ الله : إن الصلاةَ صلاحُ الدينِ والدنيا ، ونجاةُ الآخرةِ والأولى .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة .

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه ، إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، جَعَلَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الصَّلاةِ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَجَعَلَ التَّكَاسُلَ عَنْهَا مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَّى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلاةِ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ والتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ، أَمَّا بَعْدُ :

عباد الله : إن من أجلَّ المناظر ، ذلكم المنظر الذي نراه الآن في صلاةِ الجمعة ، وفي سائرِ الصلواتِ خاصةً الفجر ، حين يحافظ المسلم على صلاته و يصحبُ الوالدُ أبناءَه معه إلى الصلاةِ ، فلا يخرجُ من المنزلِ إلا بهم ، يتسابقون إلى الصفِّ الأولِ وتكبيرةِ الإحرام ، فيكونُ خيرَ قدوةٍ لهم ، وتكونُ الصلاةُ السلوكَ الأصيلَ الذي تقومُ عليه حياتُهم.

ولا شك أن صلاحِ الأبناءِ وجعلَهم مقيمي الصلاةِ ، مِن أعظمِ مشاريعِ الإنسانِ في الدنيا والآخرة ، وهو همٌّ نبويٌّ جليلٌ دعا به إبراهيم ﷺ ، فقال :( رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ ﴾. 

وأمر الله رسولَنا الكريمَ أن يأمرَ أهلَه بها ، فقال تعالى :( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾.

واعلموا رحمكم الله أنَّ التَّفْرِيطَ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْبَلاءِ والشَّقَاءِ ، فهو ضَنْكٌ دُنْيَوِيٌّ وَعَذَابٌ بَرْزَخِيٌّ وَعِقَابٌ أُخْرَوِيٌّ ،﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ [مريم:59].

وإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَأَبْيَنِ الجَرَائِرِ تَرَكَ الصَّلاَةِ تَعَمُّدًا وَإِخْرَاجُهَا عَنْ وَقْتِهَا كَسَلًا وَتَهَاوُنًا ، يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ "، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ

ألا فاتقوا الله - عباد الله – وحافظوا على الركن الثاني من أركان الإسلام ، فلا حض في الإسلام لمن ضيع الصلاة ، أدوها في وقتها مع الجماعة في المسجد ، وبادروا بالمحافظة عليها ، وأمروا بها من تحت أيديكم من زوجة وبنين وبنات ، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته .

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِلْمَاً نَافِعَاً ، وَعَمَلاً صَالِحَاً ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنِ اسْتَمَعَ الْقَوْلَ فَاتَّبَعَ أَحْسَنَه ، اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى صَلاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ يَا رَبَّ الْعَالَمِين .

ربنا اجعلنا مقيمي الصلاةِ ومن ذرياتِنا ربنا وتقبلْ دعاءنا ، ربنا هبْ لنا من أزواجِنا وذرياتِنا قرةَ أعين ، واجعلنا للمتقين إماما.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ الْمُسْلِمِينَ ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينَ ، وَاجْعَلْ بِلَادَنَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً رَخَاءً سَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ ، اللَّهُمَّ احْفَظْ وليَّ أَمْرَنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ ووفِّقْهُمَا يَا رَبِّ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى وَلِمَا فِيهِ الخَيرُ لِلبِلَادِ والعِبَادِ ، اللَّهُمَّ جَنِّبْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسْلِمِينَ الفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَدْرَأُ بِكَ فِي نُحُورِ أَعْدَائِنَا ، وَنَعُوذُ بِكَ اللَّهُمَّ مِنْ شُرُورِهِم ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .(

اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

المرفقات

1774526162_القرآن في رمضان2.docx

1774526306_الكتاب الموقوت.docx

المشاهدات 356 | التعليقات 0