حديث الأيام الأولى من رمضان

سامي بن محمد العمر
1447/09/03 - 2026/02/20 00:03AM

حديث الأيام الأولى من رمضان

 

ماذا تريد الأيام الأولى من شهر رمضان أن تقول لك يا أخا الإيمان؟

أما لو كان لها لسان وقدرة على البيان لقالت:

- هنيئًا لك النجاح في درس الصيام الأول؛ حين صَغُرَ في قلبك الخلق ُكلُّهم أمام هيبة الخالق سبحانه وتعالى، فتجدد عندك الإخلاص لمن بيده النجاةُ والخلاص، وعلمتَ أن لا أحد يستحق مراءةً بعمل، ولا تقربًا بقول أو فعل، وإنما القصد والعمل والتقرب لله وحده لا شريك له؛ فصومك وإمساكك عن المفطرات سرٌّ لا يطلع عليه إلا من تجرد صيامك له، واتجهت نيتك وقصدك في ابتغاء مرضاته؛ إيمانًا بوعده واحتسابًا لثوابه؛ فكانت النتيجة قوله تعالى في الحديث القدسي: ((كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به))([1]).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((من صام رمضان، إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه))([2]).

 أما لو كان للأيام الأولى من رمضان لسان وبيان لقالت:

- ها قد ذقت طعم التوبة والإنابة، ولذة العزم الصادق في الإقبال على الطاعة؛ وهدأت نفسك القلقة حين جاورت بيوت الله، وسكنت روحك الخائفة حين انتظمت في صفوف الصلاة، والعاقل لا يستبدل الأدنى بالذي هو خير، ولا يعود للخوف والقلق واللهو واللعب والبعد عن مصادر السعادة والأمان، وهو يسمع ربه تعالى يناديه: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [الزمر: 53]

ويقول تعالى في الحديث القدسي: ((يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم))([3]). ويقول سبحانه: ((يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عَنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة)). رواه الترمذي، وقال: «حديث حسن»([4]).

أما لو كان للأيام الأولى من رمضان لسان وبيان لقالت:

- لقد ثبت لك يا عبد الله في هذه الأيام أنك تملك من الطاقة ما تستطيع به مجاراة المتعبدين ومنافسة الطائعين ومسابقة المتهجدين، وأن الطريق إلى الله واسعة لأصحاب الهمم العالية، والعزم الصادق، والطاقة الفاعلة؛ فإن السائر إلى الله هي القلوب الحية التي تحمل الأجساد مهما كانت متعبة، وتسوقها إلى بارئها وإن كانت مجهدة.

وفي ميزان السبق الإلهي لا تنفع الأجساد الفتية والعضلات القوية إذا هزل القلب أو مات، أو غلبته الغفلة والسُّبات.

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: 38]

وههنا يعزم المؤمن مع نفسه: أنه بعد اليوم لا إهمال في الفرائض، ولا تفريط في النوافل ولا تقصير في الحقوق ولا استهتار في الواجبات ولا جرأة على المحرمات؛ فرب الشهور واحد، وبئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان!

 

بارك الله لي ولكم

 

الخطبة الثانية

 

أما لو كان للأيام الأولى من رمضان لسان وبيان لقالت:

- يا عبد الله: ها قد ظهر لك أن فعل الطاعة لا يؤثر على مصالحك الدنيوية، ولا يعطل أهدافك المستقبلية، ولا يوقف عجلة التقدم والنجاح؛ بل قد رأيت أن في الاستقامة بركة الأرزاق وتنظيم الأوقات وتحديد الأولويات، والله تعالى يقول {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}.

وبناءً على هذا: أقبل أيها الموفق على ربك، واسعَ إليه باعتقادك وقولك وعملك، فإن الدنيا التي ترجوها ملك له، والرزق الذي تطلبه رهن أمره، وخزائنه ملأى سبحانه وتعالى، {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ} [الرعد: 26]

لقد كانت الأيام الأولى من شهر رمضان حافلة بإقبال الناس على الخيرات ومسارعتهم إلى الطاعات، فصائم وقائم ومصل وتالٍ ومتهجد ومتعبد ومتبرع ومتصدق وذاكر وشاكر.

فالله الله في الاستمرار حتى النهاية، والله الله في التحصن من الفتور الذي يفتك بالهمم ويقتل العزائم، وتذكروا أن المفرط سيقول يومًا ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ٩٩ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ١٠٠﴾ [المؤمنون: 99-100]

 

اللهم ..



([1]) البخاري (1904) ومسلم (1151).
([2]) البخاري (38) ومسلم (759).
([3]) مسلم (2577).
([4]) الترمذي (3540).

المرفقات

1771534638_حديث الأيام الأولى من رمضان.pdf

1771535029_حديث الأيام الأولى من رمضان.docx

المشاهدات 227 | التعليقات 0