زاد التقوى
راكان المغربي
زاد التقوى
الْخُطْبَةُ الأُولَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
أَمَّا بَعْدُ:
طَرِيقٌ مَحْفُوفٌ بِالْمَخَاطِرِ، مَلِيءٌ بِالْأَشْوَاكِ؛ السَّالِكُ فِيهِ تَعْتَرِضُهُ الْعَوَائِقُ، وَتُفَاجِئُهُ الْعَقَبَاتُ. وَحَتَّى يَصِلَ إِلَى النِّهَايَةِ بِسَلَامٍ، لَا مَنَاصَ مِنَ التَّيَقُّظِ وَالْحَذَرِ، وَالتَّوَقِّي وَالِانْتِبَاهِ.
ذَاكَ الطَّرِيقُ هُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي يَسْلُكُهُ كُلُّ إِنْسَانٍ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا؛ فَهُوَ طَرِيقٌ مَحْفُوفٌ بِمَخَاطِرِ الشَّيَاطِينِ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تَتَخَطَّفَكَ، وَالْفِتَنِ الَّتِي تُوشِكُ أَنْ تُوقِعَكَ، وَالْمُغْرِيَاتِ الَّتِي تُعِيقُكَ عَنِ الْوُصُولِ.
وَحَتَّى نَصِلَ إِلَى نِهَايَةِ الطَّرِيقِ بِسَلَامٍ، فَنَنَالَ جَنَّةَ الرِّضْوَانِ، فَلَا مَنَاصَ لَنَا مِنَ التَّيَقُّظِ وَالْحَذَرِ، أَوْ بِتَعْبِيرِ الْوَحْيِ الدَّقِيقِ: لَا بُدَّ لَنَا مِنَ التَّقْوَى.
قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: مَا التَّقْوَى؟ فَقَالَ: "هَلْ أَخَذْتَ طَرِيقًا ذَا شَوْكٍ؟" قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَكَيْفَ صَنَعْتَ؟" قَالَ: إِذَا رَأَيْتُ الشَّوْكَ عَدَلْتُ عَنْهُ أَوْ جَاوَزْتُهُ أَوْ قَصُرْتُ عَنْهُ. قَالَ: "ذَاكَ التَّقْوَى".
خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَى
وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى
لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى
تِلْكَ هِيَ التَّقْوَى؛ أَنْ تَكُونَ حَذِرًا مُتَوَقِّيًا أَشْوَاكَ الْمَعَاصِي الَّتِي تَجْلِبُ غَضَبَ اللهِ وَعَذَابَهُ، فَمَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ تَفْعَلُهُ، وَمَا نَهَاكَ عَنْهُ تَجْتَنِبُهُ. سُئِلَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ عَنِ التَّقْوَى فَقَالَ: "أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، تَرْجُو ثَوَابَ اللهِ. وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، تَخَافُ عِقَابَ اللهِ".
الْمُتَّقُونَ تَتَزَيَّنُ لَهُمُ الْمَعَاصِي فَلَا تَغُرُّهُمْ بَهْجَتُهَا، بَلْ يُبْصِرُونَ بِنُورِ اللهِ فَلَا يَرَوْنَ فِيهَا إِلَّا آفَاتٍ سَامَّةً، وَأَشْوَاكًا قَاتِلَةً، تَسْتَلْزِمُ مِنْهُمْ أَقْصَى دَرَجَاتِ الْحَذَرِ وَالتَّوَقِّي. وَأَمَّا غَيْرُ الْمُتَّقِينَ فَإِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ الْهَوَى، وَيَرْكَبُونَ الشَّهَوَاتِ، وَيَتَنَاوَلُونَ السُّمُومَ، نَاسِينَ أَوْ مُتَنَاسِينَ مَا رَتَّبَ اللهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ لِلْعَاصِينَ.
عِبَادَ اللهِ
إِنَّ التَّقْوَى مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمَرْتَبَةٌ شَرِيفَةٌ، تَكَاثَرَتْ نُصُوصُ الْوَحْيِ فِي الْحَضِّ عَلَيْهَا وَالثَّنَاءِ عَلَى أَهْلِهَا؛ فَالتَّقْوَى هِيَ وَصِيَّةُ اللهِ لِخَيْرِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ}، وَوَصِيَّتُهُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ}، وَوَصِيَّتُهُ لِكُلِّ النَّاسِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ}. وَالتَّقْوَى هِيَ الْوَصِيَّةُ الْمُسْتَمِرَّةُ عَلَى مَرِّ الْأَزْمَانِ: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}.
إِذَا اسْتَشْعَرْتَ أَنَّكَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا تَسِيرُ فِي طَرِيقِ السَّفَرِ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَاعْلَمْ أَنَّ خَيْرَ زَادٍ تَتَزَوَّدُ بِهِ فِي هَذَا السَّفَرِ هُوَ التَّقْوَى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}.
وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَظْهَرَ بَيْنَ النَّاسِ بِأَبْهَى الْحُلَلِ، وَأَفْخَرِ الزِّينَةِ، فَعَلَيْكَ بِخَيْرِ اللِّبَاسِ الَّذِي دَلَّكَ اللهُ عَلَيْهِ فَقَالَ: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ}.
إِذَا غَرِقْتَ فِي الْهُمُومِ، وَأَطْبَقَتْ عَلَيْكَ الْغُمُومُ، لَا تَحْزَنْ؛ فَقَدْ دَلَّكَ اللهُ عَلَى الْمَخْرَجِ: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}. يَقُولُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: "ضَاقَ بِي أَمْرٌ أَوْجَبَ غَمًّا لَازِمًا دَائِمًا، وَأَخَذْتُ أُبَالِغُ فِي الْفِكْرِ فِي الْخَلَاصِ مِنْ هَذِهِ الْهُمُومِ بِكُلِّ وَجْهٍ، فَمَا رَأَيْتُ طَرِيقًا لِلْخَلَاصِ، فَعَرَضَتْ لِي هَذِهِ الْآيَةُ: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}، فَعَلِمْتُ أَنَّ التَّقْوَى سَبَبٌ لِلْمَخْرَجِ مِنْ كُلِّ غَمٍّ، فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ هَمَمْتُ بِتَحْقِيقِ التَّقْوَى فَوَجَدْتُ الْمَخْرَجَ".
إِذَا أَرَدْتَ الرِّزْقَ الَّذِي يُغْدَقُ عَلَيْكَ مِنْ خَارِجِ حِسَابَاتِكَ، فَعَلَيْكَ بِالتَّقْوَى؛ فَذَاكَ وَعْدُ اللهِ لِأَهْلِهَا: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}. وَمِمَّا يُحْكَى أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَسْؤُولًا فِي أَحَدِ الْفَنَادِقِ الَّتِي تَبِيعُ الْخُمُورَ، فَتَحَرَّكَتِ التَّقْوَى فِي قَلْبِهِ وَسَأَلَ أَحَدَ الْعُلَمَاءِ، فَأَفْتَاهُ بِوُجُوبِ تَرْكِ الْعَمَلِ وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ. ذَهَبَ إِلَى مَكْتَبِهِ لِيَكْتُبَ وَرَقَةَ الِاسْتِقَالَةِ، فَإِذَا بِمُدِيرِهِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ لِيُبَشِّرَهُ بِنَقْلِهِ وَتَرْقِيَتِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُدِيرَ فَرْعِ الْفُنْدُقِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ. فَمَا أَكْرَمَ اللهَ وَمَا أَصْدَقَ وَعْدَهُ!
حِينَ تَتَعَسَّرُ عَلَيْكَ الْأُمُورُ، وَتَتَرَاكَمُ عَلَيْكَ الصِّعَابُ، فَلَا تُتْعِبْ نَفْسَكَ كَثِيرًا فِي الْبَحْثِ عَنِ الْخَلَاصِ، وَسِرْ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُخْتَصَرِ لِلْيُسْرِ وَالتَّيْسِيرِ: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}.
فِي زَمَنِ الظُّلُمَاتِ وَالْأَهْوَاءِ، وَاخْتِلَاطِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، وَصُعُوبَةِ تَمْيِيزِ الْخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ، يَحْتَاجُ الْمُؤْمِنُ إِلَى نُورٍ يُبَصِّرُهُ بِطَرِيقِ الْحَقِّ فَيَتَّبِعُهُ، وَطَرِيقِ الْبَاطِلِ فَيَجْتَنِبُهُ. أَلَا إِنَّ ذَاكَ النُّورَ هُوَ التَّقْوَى، قَالَ سُبْحَانَهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا}، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
الْمُتَّقُونَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ السُّعَدَاءُ بِالْقُرْبِ مِنَ اللهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَاللهُ مَعَهُمْ يُؤَيِّدُهُمْ وَيُوَفِّقُهُمْ وَيُسَدِّدُهُمْ، كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}. وَالْمُتَّقُونَ هُمْ أَحْبَابُ اللهِ، وَمَنْ أَحَبَّهُ اللهُ كَانَ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي عَلَيْهَا، وَلَئِنْ سَأَلَهُ لَيُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَهُ لَيُعِيذَنَّهُ. قَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}.
التَّقْوَى خَيْرُ عَمَلٍ تَأْخُذُهُ مَعَكَ لِيَكُونَ عُدَّتَكَ يَوْمَ الْمَعَادِ؛ فَحِينَ يَشْتَدُّ الْكَرْبُ، وَيَعْظُمُ الْهَوْلُ، وَيَسِيرُ النَّاسُ عَلَى الْجِسْرِ الْمَضْرُوبِ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ، فَلَا نَجَاةَ حِينَهَا إِلَّا لِلْمُتَّقِينَ: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}.
تُنَجِّيكَ التَّقْوَى لِتَنَالَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَنَازِلَ الْعُلْيَا: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}.
فَلْتَهْنَأْ بِأَعْظَمِ الْبُشْرَى، وَلْتَسْعَدْ بِأَعْظَمِ الْجَوَائِزِ
{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، أَمَّا بَعْدُ:
مَعَاشِرَ الصَّائِمِينَ:
أَنْتُمْ الْآنَ فِي شَهْرِ الصَّوْمِ، الَّذِي هُوَ بِمَثَابَةِ دَوْرَةٍ تَدْرِيبِيَّةٍ مُكَثَّفَةٍ لِلْوُصُولِ إِلَى مَنْزِلَةِ التَّقْوَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. فَالصِّيَامُ يُدَرِّبُكَ عَلَى الْإِمْسَاكِ عَنْ شَهَوَاتِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنِّكَاحِ، وَيُمَرِّنُكَ عَلَى الْحَذَرِ وَالتَّوَقِّي مِنْ كُلِّ مَا يَخْرِمُ الْعِبَادَةَ وَيَجْرَحُهَا.
عِنْدَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ، سَتَمُرُّ فِي خَتْمَتِكَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِئَتَيْنِ وَخَمْسِينَ مُفْرَدَةً مِنْ مُفْرَدَاتِ التَّقْوَى؛ كُلُّهَا تَتَعَاضَدُ لِتُوصِيَكَ بِلُزُومِ التَّقْوَى، وَتُبَصِّرَكَ بِطَرِيقِهَا، وَتُعَرِّفَكَ بِأَهْلِهَا، وَتُذَكِّرَكَ بِالْمَصِيرِ السَّعِيدِ لِكُلِّ مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهَا.
ثُمَّ مَاذَا بَعْدَ ذَلِكَ؟
أَلَيْسَتِ النَّتِيجَةُ الطَّبِيعِيَّةُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ شَهْرِ الصَّوْمِ، وَمِنْ خَتَمَاتِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ تَحَلَّيْتَ بِحُلَّةِ التَّقْوَى وَلَزِمْتَ طَرِيقَهَا؟
بَلَى وَاللهِ!
فَالتَّقْوَى جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَسَعَادَةُ كُلِّ إِنْسَانٍ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ. فَمَا الَّذِي يُؤَخِّرُكَ عَنْهَا؟!
كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ لَهُ: "أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ غَيْرَهَا، وَلَا يَرْحَمُ إِلَّا أَهْلَهَا، وَلَا يُثِيبُ إِلَّا عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ الْوَاعِظِينَ بِهَا كَثِيرٌ، وَالْعَامِلِينَ بِهَا قَلِيلٌ".
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْمَقَابِرِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ نَادَى: "يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، أَتُخْبِرُونَا عَنْكُمْ، أَوْ نُخْبِرُكُمْ خَبَرَ مَا عِنْدَنَا؟ أَمَّا خَبَرُ مَا قِبَلَنَا؛ فَالْمَالُ قَدِ اقْتُسِمَ، وَالنِّسَاءُ قَدْ تَزَوَّجْنَ، وَالْمَسَاكِنُ قَدْ سَكَنَهَا قَوْمٌ غَيْرُكُمْ، هَذَا خَبَرُ مَا قِبَلَنَا، فَأَخْبِرُونَا خَبَرَ مَا قِبَلَكُمْ". ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: "أَمَا وَاللهِ لَوِ اسْتَطَاعُوا أَنْ يُجِيبُوا، لَقَالُوا: لَمْ نَرَ زَادًا خَيْرًا مِنَ التَّقْوَى".
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى.
اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا.
اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا.
المرفقات
1772106159_زاد التقوى.docx
1772106159_زاد التقوى.pdf